
- لأول مرة, منذ خمسة و عشرين سنة.. فاتني أن أقف وقفة طويلة مع نفسي في عيد ميلادي.. فلم أودع العام الذي مضى, و لم استقبل العام الذي أتى.. رُبما نضجتُ فعلاً.. و أدركت أن الحياة زيف.. أعوام تُغادر بصورة متواترة و أعوام تأتي لتغادر.. حتى تنضب الأعوام فيحين دور الأجساد..
- كنتُ أظن أنَّ لي من اسمي نصيب, أنا الـ (مُنى) التي بالكاد يتسع العمر لتحقيقها. أنا القلب المُعلق بالآتي, كانَ لي كذبة أثيرة (بكرة أحلى) طمستُ هذه الكذبة مؤخرًا و لم أعد أصدق إلا حقيقة حتمية وحيدة.. أني سانتهي يومًا ما.. قد يكون قريبًا و قد يكون بعيدًا.. لكني سانتهي في شهقة سريعة على لسانِ إحدى شقيقاتي رُبما .. (ماتت).. ثمَّ تلتوي أعناق الأفعال و الضمائر.. سيلاحق اسمي فعلاً ماضيًا ناقصًا (كان) في كل الحكايات.. و سيتلاشى اسمي في مرحلة لاحقة و سيستبدلونه بضمير الغائب الذي لا يعود.
- الدراسة, النجاح, العمل, القراءات, المُتع الكثيرة, الأصدقاء, الكتابة, تحقيق الذات, تحقيق البطيخ... كل هذه الأمور بلا جدوى طالما أننا يومًا ما سنستحيل إلى تراب.. فقد اكتشفت الآن أننا لا نفعل كل هذا سعيًا وراء النجاح و إثراء الحياة. نحنُ فقط نحاول أن نُخاتل أنفسها و أن نقوم بأمورًا أُخرى لكي لا نتذكر أننا في انتظار النهاية.. طبيعة الإنسان أنه لا يُحب الانتظار و عينيه على الساعة.. كلنا نُحب أن نتشاغل في صالات الانتظار..
الدُنيا صالة انتظار كبيرة.. و من يحين دورهم لا يعودون ليخبرونا بما خلف الباب.
- أخبرتني الصديقة القريبة أنها لا تُريد أن تنجب طفلاً آخر كل مهامه في الحياة أن يُسلي ابنتها الوحيدة.. و أن يخفف عنها شعور الوحدة.. قالت لي : " تخيلي أَنْ أُنجب حياة جديدة و مستقبل آخر و إنسان كامل.. تحت بند التسلية".. نبهتني فكرتها إلى أننا مولودون تحت بنودٍ معينة.. , بند الروتين الزوجي الذي يتمخض عنه الطفل الأول, بند التسلية الذي يتمخض عنه طفل آخر ليُسلي الطفل الأول, بند العادة الذي يتمخض عنه أطفال آخرون كنتيجة حتمية لاستمرارية العلاقة الزوجية, بند الأمنيات الذي يتمخض عنه (ولد الولد الأعز من الولد) تحقيقًا لرغبات الحموات في كثرة الأحفاد..
و يومها توصلتُ إلى أني مولودة تحت بند التجربة. و يا للأسف.. تجربة ثالثة فاشلة تلتها تجارب فاشلة أُخرى..
و يومها توصلتُ إلى أني مولودة تحت بند التجربة. و يا للأسف.. تجربة ثالثة فاشلة تلتها تجارب فاشلة أُخرى..
صوت الطبيبة الضاحك : (مبروك, جالك بنت زي القمر)..
صرخة سماوية تُنهي مهزلة تجارب أمي game over
صرخة سماوية تُنهي مهزلة تجارب أمي game over
أدركت هذا متأخرة فلعنت ساعة ميلادي و عبث أمي و أبي .. ينجبوننا لشقاء الحياة بحثًا عن ولي العهد المجيد.. و نكبر و لا نتنبه إلى العلاقة النفعية التي تهدم أرواح الأبناء تحت مُسمى (البر).. و تحت إذلال (جبناكم و ربيناكم و صبرنا عليكم ...)
امتلك قناعة جديدة الآن.. على الآباء أن يبذلوا مجهودًا أكبر لكي نُسامح خطاياهم..
- لا يُضيرني أني بنت, و لم اتمنى طوال حياتي أن أكون ولد.. ففي داخلي من الكراهية ما يجعلني اتنصل من هذا الشرف العظيم.. و اتشاغل عنه بجمع لعناتي و لعنات جميع السيدات لنصبها على هيمنة الرجال.
- قبل حوالي خمسة سنوات كنتُ في الثانية عشرة من عُمري أحرس المرمى الوحيد للفريقين المكونين من شقيقاتي و خالي, و الآن صار عُمري خمسة و عشرين سنة, و لازلتُ في نفس المركز.. أحرس أحلام شقيقاتي و آمال أبي و أمي من كل الحقائق العارية.. تعبت يداي مِنْ حياكة الثياب التي تستر الصور الأصلية.. انغرزت إبرة الخياطة مرات عديدة في راحة أيامي.. سال الدم من أصبع السبابة فصار عاجزًا عن أن يمتد ليُشير للآخرين و يرميهم بخطاياهم..
- العُمر دوامة لا تكف عن الدوران, و نحنُ في وسطها نترنح لا يمكننا الوقوف لرؤية الحقائق.
- هذه التدوينة.. مثلي تمامًا.. قابلة للمحو في أي حين.













