
تأخرت كثيرًا.
ففاتني الكثير.
المواعيد التي لم ألحق بها, أو التي لم تلحق بي.. تشل حركة حاضري. و ستؤذي المستقبل, ستؤذيه كثيرًا..
الخمسينات و الستينات الميلادية, موعدي الذي لم اتمكن من حضوره, لأني لم أحضر إلى الحياة إلا في منتصف الثمانينات.
ففاتني أَنْ أجلس في الصف الثالث بالتمام و أن أكون الثالثة من جهة اليسار في حفلة غنائية لأم كلثوم, و بعد كوبليه مُحدد أكون قد رفعت يدي و أنا أقول: " تاني, تاني"
لكي تعيد الست غناء:
"سنين و مرت زي الثواني في حبك إنت..
و إن كنت حَ أقدر أحب تاني..
حَ أحبك إنت.."
فأصفق في هستيريا, و أتأوه بُعمق: " الله عليك يا ست"
الآن أعرف شكل السيدتين المجاورتين لي, إحداهما بتنورة قصيرة و تضع حقيبتها في حجرها و تُصفق بحماس أقل من حماسي, و المجاورة لها بقصة شعر قصيرة و تنورة كاروهات و لا اتبين وجهها جيدًا إلا حين تهز رأسها بتأثر فتنحني إلى الأمام بالتحديد حين تغني الست : "كان لك معايا أجمل حكاية في العمر كله..."
أعرف كل هذا..
و أعرف غيره..
فقد كنت في الصفوف الخلفية و فايزة أحمد تشدو بـ : "و بحبك يا حبيبي معايا و مش معايا .. و بحبك يا اللي حُبك مالوش معاك نهاية"و ما زال التسجيل الرائج للأغنية يحوي على صوت تصفيقي و هتافي مندمجًا مع أصوات الجمهور المنفعلين..
هذا غيض من فيض المواعيد التي لم أدركها, أو لمْ تدركني.
الحفلات الغنائية الكثيرة أعرف أماكني فيها بدقة و أميز وجوه بعض الحاضرين الجالسين على مقربة مني رغم أني لم أحضرها, لكني أكاد أكون على يقين أنَّ الروح التي تسكنني الآن هي روح سكنت جسدًا كان هناك قبلي. هذا ما أفسِّر به إدراكي لكل ما مضى و فاتني.
أمَّا حماستي لأغاني الحُب آنذاك, و الآن.. أفسّرها.. بك.
أنت يا موعدي الآخر الذي أدركته متأخرة جدًا.
التقيتك قريبًا.
و كان المفترض أن التقيك قبل أَنْ التقي نفسي.
تأخرتُ عنك, ففاتني أن اتصالح مع نفسي.
عرفتك قريبًا.
وكان الأجدى لو عرفتك قبل أن أعرف الدنيا.
تأخرتُ عن معرفتك, ففاتني أَنْ أُحب الدنيا.
و "اللي فات مِنْ عُمري كان لك من زمان.
و اللي باقي منه.. جاي لك .. له أوان"