__________________________________________
__________________________________________

من أجلهم

الأحد، 21 سبتمبر، 2008

ح ن ي ن

الإهداء..
إلى الصديقة التي تُلاحق كلماتي السريعة, لتفهمها.
Rapunzel







أَنا أيضًا حين أكتب, أُلاحق ما يتوارد في ذهني, أركض خلفَ الخواطر السريعة و الأفكار المُتلاحقة لأدونها, و لهذا لمْ اتمكن حتى الآن مِن كتابة الحكايات التي أُريد, بالرغمْ مِنْ أنك ترين في حكاياتي مشاهد متكاملة, و تستشهدين على ذلك بحلقة مِن مسلسل (أهل الغرام).. حكيتها لكِ مُصادفة, و انتقلتِ لتحكين لي عنْ مُسلسل (على طول الأيام).. و سُلاف فواخرجي تجلس أمام تيم الحسن, و فيروز في خلفية المشهد (أنا لـ حبيبي.. و حبيبي إلي).. و أنا ممتنة للدراما السورية التي قادتنا إلى اعترافات متلاحقة, و إلى صداقة جديدة. صداقة متوثبة. مندفعة نحو الأمام.. لمْ تتطلب وقت تعارفٍ طويل, فقد كان الرابط بيننا (وعد).. و أضفنا إلى هذا الرابط صلات كثيرة مُتعددة..

قادتني ذاكرتي صباح اليوم نحو حُرقة الحنين, تذكرت صديقات الثانوية, تذكرت (رشا) و الكلام الطويييييييييييل, تذكرت رسائلها التي لا زلتُ احتفظ بها في حقيبة حمراء صغيرة أغلقتها على الكلمات التي تخنقني بالحنين, تذكرت (بسمة) التي كنت أناديها (قطوة) لأنها كانت تتحرج مِنْ ندائي لها بهذه الطريقة : " بسسسسسـ مه) فابتكرت لها اسمًا جديدًا لتتحرج فعلاً, فصار الكل يناديها: (ميااااو.. قطوة) و تذكرتُ الرسائل التي كتبتها بسمة تستعطفني فيها أَنْ أصفح عنها و أن اتجاوز عَن رسوبها في الرياضيات, لأني كنتُ أحرص عليها مِنْ نفسي وأخشى عليها من الرسوب, حتى أني كنتُ اتنازل لها عن البطاقات الصغيرة التي كتبتُ عليها قواعد (الجتا و الجيب) لأجيب شفهيًا نقلا عن هذه البطاقات في غفلةٍ من المعلمة.. اتذكر الرسالة التي كتبت لي فيها : (يا حظك إنتِ غايبة و أبلة أمل سألتنا في الجبر, و ما جاوبنا و عاقبتنا بنسخ القاعدات).. و لا زلتُ حتى اليوم احتفظ ببطاقات (الغش) و عليها تواقيع الصديقات في الصف الأول ثانوي (بسمة و سهام و تهاني) .. و لا زلتُ احتفظ بذكرياتي الكثيرة معهن, احتفظ في ذاكرتي بمنظر أبلة نورة مُعلمة الأحياء حين كانت تطردنا نحنُ الأربعة (بسمة و مُنى و سهام و تهاني) و تـُغلق باب الفصل في وجوهنا و نحن نقاوم لكي لا يظهر لها شعورنا بالسعادة فتكتشف أن خروجنا بين الحصص و تأخرنا عَن الحصة و افتعال الأعذار ليسَ إلا خطة صغيرة نفتعلها لننال الطرد و العتق مِنْ حصتها الكئيييييبة..
تذكرتُ كل هذا, و تذكرت (مديحة) صديقة عُمري.. التي تزوجت صغيرة و أنجبت صغيرة, و كانت تجلس جواري تكتب لي بقلم الرصاص على درج طاولتها مشاكلها الزوجية , و أكتب لها في درج طاولتي حلولاً سخيفة كلها تدور حول محور (اصبري, طنشي, اشتكي...) . و تفوت الدروس ما بين مشاكلها و اقتراحاتي.. و نتحرر قليلاً في حصة اللغة الإنجليزية, و بدلاً من الكتابة الخفية كُنَّا نتكلم بصوتٍ خفيض غير مباليات بتحذيرات (أبلة مُنى) التي كانت هااادئة بدرجة تستدعي تمادينا في حصتها .. نتمادى إلى الحدِّ الذي يجعل صديقتي (هوى) الجالسة أمامي تمد يدها على طاولتي لكي ألوِّن أظافرها بالمناكير :) .. نتمادى إلى حدّ أنّ (هوى) أصابتها في إحدى الحصص نوبة ضحك مما أغضب أبلة مُنى فخرجت عَن هدوئها المُعتاد و ضربت بيدها على السبورة لتنبهنا فنتوقف عَن نوبة الضحك, لكننا لم نتوقف, و أعادت الكرّة.. و حاولت أن اتوقف لكن هوى لم تستطع.. و أخيرًا توقفت (أبلة مُنى) عَنْ الشرح و قالت: (لو كنت اتكلم مع حجر راح يسمعني, قومي أوقفي يا هوى في آخر الصف).. و قامت هوى لتقف في آخر الصف.. و أنا أُراقب المشهد, و اتساءل هل انا فعلاً في حصة أبلة منى الهادئة الطيبة التي (لا تهش و لا تنش).. و ظللتُ أنظر في بداية الفصل و أرى أبلة مُنى تُكمل درسها, و أنظر في نهاية الفصل و أجد هوى واقفة و لا زالت تضحك, فازدادت نوبة الضحك عندي.. هل هذا يحدث حقًا في حصة أبلة مُنى.. و ظللتُ أضحك و أضحك.. و هوى تضحك و تضحك..و أكتب لها على غلاف كتابي (الهوى هوايا, أبني لك قصر عالي و أخطف نجم الليالي), و أرفع الكتاب لتقرأ ما كتبته.. و أبلة منى منتبهة لكل هذا , لكنَّها لم تعاقبني, و حين حضرت أمي الحفل الذي أقامتهُ المدرسة لأمهات الطالبات المتفوقات - فقد كنتُ الثانية في ترتيب المدرسة- قالت لها أبلة مُنى عنّي: (بنتك شاطرة, لكنها طول حصتي تتكلم. لو أعطيها هي و مديحة قضية الشرق الأوسط صدقيني نقاشاتهم الطويلة كفيلة بحلها)..

تذكرتُ كل هذا صباح اليوم, تذكرتُ الصف الثاني أدبي, تذكرتُ كيف كانت عائشة تبلل الطباشير في الماء و تكتب القصائد المُقرر حفظها على السبورة , فيتعذر على مُعلمة اللغة العربية مسحها, تذكرتُ كيف كنت أرسم رسومات مُضحكة تتضمن حمارًا يقف أمام عيني امرأة مُبرقعة. و أُعلقها على جدران الفصل, و حين تؤنبني المعلمات, أقول: " يا الله مِن جد ما عندكم تشجيع مواهب" و أقوم لأمزقها و صديقاتي يقولون لأبلة نجلاء: " حرام يا أبلة.. حرام كسرتي خاطر موهبتها".. جدران الفصل التي كتبت عليها أيام الانتفاضة الفلسطينية : " أخي جاوز الظالمون المدى.. فحق الجهاد و حق الفدا" و كتبتُ تحتها : " مع تحيات بنات الحجارة اللي بتودونهم الإدارة" .. و عاقبتني (أبلة نجلاء) بأن ظللت طوال حصتها مُعلقة على الجدار أُزيل ما ارتكتبه يداي..

تذكرتُ كيف كُنّا نمضغ العلك و نُلصقه بكرسي المعلمة, أو نُلصقة بمقبض الباب الذي تتكئ عليه (أبلة ليلى) .. تذكرت كيف كنا نبتهج حين تنسى أبلة نجلاء جهاز التسجيل في فصلنا بعد حصة القرآن, و نظل أنا و (رزان) نبحث في محطات الراديو عَن أي أغنية, و لا نجد.. إلى أن ساندنا الحظ يومًا ما و وجدنا أُغنية (يا بنت بلدي يا سعودية) لعبدالمجيد عبدالله, فسرت في الفصل حمى رقص غير عادية ..

تذكرت كل هذا.. و تذكرت كل هذه الوجوه.. رشا تزوجت بعد أن أنهينا الثانوية, و بكيتُ كثيرًا ليلة زواجها.. فقد انتقلت إلى جدة, و ابتعدت.. (بسمة) لم تنجح في الرياضيات.. و أعادت الصف الأول الثانوي في حين انتقلت أنا إلى الصف الثاني ثانوي. و كانت في تلك الأيام تعاني من مشاكل عديدة بعد طلاق أمها و زواج أبيها بامرأة ثانية, و حين انتقلت أنا للجامعة تعذَّر علي الاتصال بها بسبب والدها.. (تهاني) أيضًا رسبت في الصف الأول الثانوي و ابتعدت عني, (سهام) فرقت بيني و بينها الفصول و عدم وجود صديقات مُشتركات فيما بيننا.. أمَّا صديقة عُمري (مديحة) فقد فرقت بيني و بينها مشاكلها الزوجية بعد أن صار زوجها يُلاحق صديقاتها و يهددهم من الاتصال بها.. و (هوى) لم تُحرز مجموع يؤهلها لدخول الجامعة.. و ظلت في البيت تجمعني بها اتصالات متفرقة و متباعدة جدًا.. و عائشة نالت ترتيب السابع على منطقة مكة المكرمة و أكملت دراستها في كلية التربية تخصص اللغة الإنجليزية المادة التي كنت أكرهها و أنقل إجاباتها من عائشة.. و رزان وحدها فقط هي التي أكملت مسيرتها الجامعية, و جمعتني بها أيام جميلة, انتهت حين تخرجنا :(

أمَّا أنا, فقد أكملت سيري وحيدة, أسأل نفسي كثيرًا هل أملك صديقات؟ و أجدهنَّ حولي بوجوهٍ غير تلك الوجوه, فأسأل نفسي عن صديقاتي الحاليات اللاتي جمعتني بهنّ الدراسة الجامعية, إلى متى سأجدهنَّ بجواري؟
أكملتُ سيري.. أكملت حتى وقفت قبل عام في موقف معلماتي أمام طالبات الثانوي, وقفتُ أضحك من شغب طالباتي, و كنتُ حريصة على أن لا أجلس على الكرسي و لا اتكئ على مقبض الباب إلا بعد التثبت من عدم وجود (علك) ممضوغ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق