__________________________________________
__________________________________________

من أجلهم

الأربعاء، 6 مايو، 2009

مطر



مطر..
أسمع صوت طرقاته على ظهر جهاز التكييف..
مطر..
لا يمكن أن تخطيء رائحته دمي..
فحمى الطين.. تعرف جيداً في أي الأجساد تسكن..


" شتي يا دنيي تـ يزيد موسمنا و يحلا"
و ينهمر المطر..
لا دليل لي عليه إلا طرقاته على جهاز التكييف.. و رائحته التي غيرت قناعاتي.. رائحته التي أنبأتني أن الذاكرة أحياناً مسؤولة عن حاسة الشم..

مطر..
و تنبت سنابل في دمي.. سنابل خضراء تنكس رؤوسها لرياح الحنين..
رائحة المطر.. أشمها بذاكرتي.. و أسمع أصواتاً بعيدة.. جدي يبتسم.. يحمل على كتفه فأساً و معول.. يتجاهل خوفي.. و غضب السماء.. و قصف الرعود.. يلتفت قبل أن يغادر.. أسمعه يقول: "شربت البلاد"..
و تهتز السنابل في دمي.. ذاكرتي تستنشق عبق المطر..
جسدي مسكون بحمى الطين..
و جسد جدي ساكن تحت الطين..


" تدفق ميّه.. وزرع جديد "
فيروز.. صوتها.. و المطر.. و ضجيج يعلو..
قرعٌ على أوانٍ معدنية في غير وقت المطر.. نداءات غريبة.. لا أفهم منها إلا : (نحمي الزرع من الطير)
و طيور جائعة تعبث بالسنابل التي نبتت في دمي.. و المطر يطرق على ظهر جهاز التكييف..

مطر..
لا يلامسني.. وأنا سجينة في اتساع مدينتي..
معول جدي يشق طريقاً للسيل.. و معاول الماضي تشق قلبي للحنين..
ابتلعتني علب الإسمنت.. سقف حجرتي فوقه سقف.. تواريت خلف الأبواب الموصدة.. لن احتاج للركض في مساحات ترابية بلا حدود.. اجتاز جدران مفتوحة بلا أبواب.. أبحث عن أهلي لأخبئهم عن غضب المطر.. في حجرة سقفها الخشبي يمطر.. أغلق عليهم الباب الحديدي.. تعاندني الريح.. تطرقه بعنف.. وأبكي.. و معول جدي في مكان ما يشق طريقاً للسيل..

الآن.. بيتنا خالِ من وجه جدي.. ركن الحجرة بلا فؤوس وبلا معاول.. بيتنا مؤثث بالأبواب.. كل باب خلفه مساحة مغلقة و باب و مساحة مغلقة و باب.. جدار و باب.. شوارع خرسانية متجهمة و المزيد من علب الإسمنت و أعداد هائلة من الأبواب..


مطر..
و تغرق الشوارع.. تحتضر محركات السيارات.. تتكسر الأشجار..
مدينتي على عداء مع المطر.. نصف ساعة ممطرة تكفي لعشر ساعات من الفوضى ..
و هناك .. ينهمر المطر أيام و أيام.. تسقط جدران.. تنخلع أبواب.. و لا أحد يلعن رحمة المطر.. لا أحد يهرب من المطر..
هنا مدينة موبوءة بالخوف من المطر.. الشوارع تتضجر.. ترفض الخرسانة أن تلتحم بالمطر.. و هناك.. تشربه الأرض.. يلتحم و الطين.. تغني له السنابل.. تسيل به الأودية.. و...
تتفاقم في جسدي حمى الطين..
تجلد ذاكرتي رائحة المطر..


مطر.. مطر..
و تنهمر الذاكرة..
حنين و مطر..
ينخلع باب بيتنا الخارجي.. جدي ينام معترضاً عند مدخل البيت.. لم يكن للمدخل باب.. و الفناء صار بلا باب.. لكن وجود جدي طمأنني كما لو أني أوصدت على أهلي مائة باب..
في الليلة التالية أصلحنا الباب الذي خلعه غضب المطر.. و في الليالي التالية استغنى مدخل البيت عن جسد جدي و استبدله بباب..
و الآن.. صار لبيتنا أبواب أكثر.. كلها موصدة في وجه الطمأنينة..
و جدي بعيد.. بعيد..
أخذ بيده الموت.. و أغلق في وجهي الباب..


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق