__________________________________________
__________________________________________

من أجلهم

الأحد، 31 أغسطس، 2008

الماضي الذي لا يَمضي..






«الأسبوع الأخير» رواية تعيد حكاية بيروتلندن: كريم عبد
الكتابة هي هذا الصراع الدائم مع ذلك الماضي الذي لا يمضي ولا يترك لنا أن نتحكم به ونعيد ترتيب أحداثه إلا على الأوراق، وعلى هذا الأساس نقول: كلما كتبنا يتسع الماضي، فهو يستنفد أوراقنا بينما بياضه يظل شاسعاً متلألئا يغرينا بالصعود، وكلما صعدنا يبتعد إلى أن ينتهي الحبر ولا تكتمل الحكاية..

الماضي لا يمضي، بل يأتي مع الأيام أبداً!
هذه واحدة من التباسات المشاعر والمعاني التي توجّه الكتابة وتتحكم بإيقاع النص، فتجعل الكاتب في صراع مع اللغة التي تتدفق في وقت ما وكأنها كانت تنتظر لحظة انبثاقها، تتدفق صوراً وظلالاً وأصداء غامضة وأفكاراً تتلاحق من دون أن تصل إلى نهاية واضحة..
الماضي لا يمضي!! نعم. ولكن كيف ولماذا؟
الماضي ليس أوراق المفكرة التي تتساقط مع الأيام فنجددها في بداية كل عام، بل هو فعل الأيام فينا، دوران
الأيام حولنا ودوراننا حول الأيام، دوراننا حول الوجوه والأماكن ودوران الأماكن والوجوه حولنا، حيث يتشكل معنى وجودنا في الأماكن والأيام وظلال الآخرين التي تتداخل في ظلالنا فلا نجد معنى خارج هذا الدوران وتلك الظلال.


عندما يتحول الماضي إلى هواجس واسترجاعات وأطياف تظل تلاحقنا أبداً ونحن نلاحقها، هذا يعني أن الأيام كانت قد تسربت من بين أيدينا قبل أن نملأها بضجيجنا ومباهجنا ونترك عليها علامات وجودنا و رغباتنا الصغيرة والكبيرة، فيحدث أن تترك الأيام الهاربة آثارها وندوبها في ذاكرتنا وعلى أرواحنا، تترك جروحها الخفية على أيدينا ومشاعرنا فتصبح جزءاً من تكويننا المحتشد بالتوقعات...

الكتابة هي هذا الصراع الدائم مع ذلك الماضي الذي لا يمضي ولا يترك لنا أن نتحكم به ونعيد ترتيب أحداثه إلا على
الأوراق، وعلى هذا الأساس نقول: «كلما كتبنا يتسع الماضي، فهو يستنفد أوراقنا بينما بياضه يظل شاسعاً متلألئا يغرينا بالصعود، وكلما صعدنا يبتعد إلى أن ينتهي الحبر ولا تكتمل الحكاية».


على ضربات طبول الماضي كتبت هالة كوثراني نصها الروائي (الأسبوع الأخير). نصها أو حكايتها وحكاية بيروت التي تجمع الحكايا وتفرطها كما يفعل الماضي تماماً، فتعود الراوية في كل صفحة تلملم شتات الأفكار لتبدأ من جديد..

عندما بدأت الحرب الأهلية كانت الراوية ما زالت تحبو بينما الحرب تركض في شوارع بيروت وحولها، تبتعد وتقترب تاركة وراءها خرائبَ ورعباً وبشراً مضطربين، والراوية هنا لم تشارك في الحرب بل اشتركت مع الآخرين في اضطرابهم وجروحهم وخسائرهم التي تتواصل فتجعلهم يقاومون أو ينكمشون أو يهاجرون.. الراوية تروي هذا الاضطراب ثم الهدوء المثقل بذكريات ذلك الاضطراب ثم المفارقات والتوقعات حيث تتحول الحياة نفسها مجرد توقعات..

إن النص هنا هو التباسات الماضي التي تنهمر على الراوية في (الأسبوع الأخير) لوجودها في بيروت بعد أن قررت
السفر إلى دبي، التباسات وتوقعات تنهمر عليها من كل مكان وكأنها تخشى إن غادرت بيروت سيغادرها كل شيء لتبدأ حياة لا تعرف عنها شيئاً في مكان لا يعرفها ولا يعنيه ماضيها، ماضيها الذي تريد الانفكاك منه ولا تريد، فتبدأ الحيرة لتنهمر التداعيات والصور والتوقعات ( وبعدما كنت غريبة في بيروت سأصبح غريبة في دبي ..
في الغربة تصبح ذاكرتي بيضاء، تتلون مشاهدها باللون الأبيض. أنسى. وأحاول أن ألحق بها، أن أمسك بمشاهدها، لكن الحياة اليومية تسبقني وتشدني إليها، بعيداً عن البارحة، والأسبوع والشهر الماضيين والعام الفائت. في الغربة أيضاً تنفصل حياتي عن حياة المكان الذي أعيش فيه، وأنا أحارب كي لا أنفصل عن حياة المكان
الذي كنت أعيش فيه، والذي أحس بأنني أنظر إليه من فوقه أو من هامشه، من زاوية بعيدة. أشعر وأنا أطوي نفسي فيه، في إحدى الزوايا، بأنني أريد أن أغير نفسي وأغير العالم. وأحتاج إلى أن أتكلم، كي أفهم أسباب وجودي هنا. في لحظة معينة أحس بأنني سأنفجر إن لم أسأل أحداً عما يضطرني إلى العيش في مكان لا تربطني به علاقات قديمة وقصص بلا معنى وقصص أخرى بمعانٍ وكوارث وأفراح. أتوق إلى صوت غير صوتي. من زاوية في مكانٍ اخترعته، مكان ليس الـ (هنا) والـ (هناك)، أكلم نفسي ولا يسمعني أحد. أنا نفسي لا أسمع نفسي.) ص7، 8 فماضي الراوية ليس ماضيا شخصيا ولا تاريخها. ماضيها وتاريخها يتداخلان مع ماضي الحرب وتاريخها، الحرب التي لطخت أيام بيروت ومشاعر أهلها بالمآسي والمفاجآت. تقول الراوية ( في تلك الليلة كنا في الملهى القريب من مكان عملي في (الكرنتينا) ـ الأقواس منا فهذا المكان له رائحة الموت الرهيبة في ذاكرة اللبنانيين ـ تنام خلفه شوارع ضيقة مترابطة تفوح من أرجائها روائح الغاز والنفايات والمباني المهجورة والمصانع والجثث المدفونة تحتها. الملهى قريب من الشارع العام، ويتقدم الشوارع الصغيرة كأنه يريد اخفاءها أو طمسها، ويريد لمرتاديها أن ينسوها. وربما لا يعرف مرتادوه بهذه الشوارع ولا يعرفون تاريخها. وربما لا يريدون أن يعرفوا أو يتذكروا حتى
أسماءها. في الملهى الشهير، في تلك الليلة أنهكتني الموسيقى. لا أعرف أن أحتفل بالموت. حاولت ولم أستطع. شدتني ليلى من طرف كمي. أدخلتني وسط الحلقة حيث تجنّ الموسيقى وتعانق أشباح المكان وتاريخه الدموي ..) ص39


العلاقة بالمكان يحددها الآخرون، الآخرون هم معنى المكان، إذا اضطربوا يضطرب المكان فتضطرب علاقتك بهم، علاقتك بالآخرين تحدد علاقتك بنفسك، إذا نقلت الحرب صخبها وعنفها إلى دواخل الآخرين، ستجد الصخب والعنف داخل نفسك، يفصلك عنها فتظل تلاحق الآخرين كي يعيدوك إلى نفسك، وحين تصرخ ولا تسمع الصدى تفكر بالرحيل لكنك تخاف أن تفقد نفسك، تقلق على المكان وعلى الآخرين فتقضي الأيام الأخيرة قبل الرحيل تفتش عن نفسك في وجوه الآخرين وظلال المكان (أنا أيضاً أحس بأنني لن أعود. إذا ذهبت فلن أعود. سيكون صعباً عليَّ أن أكتفي بزيارة الشوارع التي كنت أتصارع معها كل صباح، ألومها وأهددها برحيلي، أقبلها من وراء زجاج السيارة.. منذ عامين أفكّر بالسفر. من قبل أن يذهبوا كلهم، أنتظر. بالرغم من غضبي الذي يظهر على وجهي يومياً، لا أصدق أن الانهيار لا يتبعه أمل... لذا رأيت في أسبوعي الأخير في بيروت أنني يجب أن أتصالح والوجوه التي بقيت لي هنا، وجوه أصررت أن أورطها في حياتي كي تكون لي حياة في المدينة التي قررت أن أودعها بشجاعة).
إذا خرجنا من النص إلى التجربة، نستطيع أن نقول: إن هذه الرواية تنتمي للكتابة الخاصة، فليست كل كتابة تحتكم
للوجدان وتصارع الماضي. فالذات هنا ليست مسورة بنرجسيتها بل هي مسورة بمدينة. المدينة هي بيروت، وبيروت ليست مدينة عابرة ولا هينة وإلا لما حدثت حولها كل هذه الصراعات الرهيبة. بيروت قيمة أكثر من كونها مجرد مكان. قيمة لم يوجدها البحر والجبل بل أوجدها تاريخها، تاريخها هو حب اللبنانيين لها وتفانيهم من أجلها. لم تهتم هالة كوثراني بالتفاصيل الكثيرة الرهيبة التي حدثت وطبعت أجيالاً بطابعها، بل هي خصصت نصها لجروح بيروت الخفية، لكسور الذات وظلال الناس المرتبكة، فهذا الجيل رأى ما لم يره أحد، رأى عمليات الغدر الرخيصة التي مورست
ضد بيروت وضد اللبنانيين لكنهم لم يركعوا فعلاً، وأنا هنا لا أتحدث عن المقاومة المسلحة على أهميتها، بل أتحدث عن مقاومة الإنسان اللبناني من أجل قيمه وكرامته التي ظل يمارسها بطبيعية تامة، فقد عشتُ في بيروت ثلاث سنوات من ربيع 1979 إلى صيف 1982، حيث شهدتُ حصار بيروت الذي امتد من يونيو (حزيران) إلى أغسطس (آب) في ذلك العام. فبعد أن لمست، من خلال التفاصيل، طيبة اللبنانيين وكبرياءهم الذي يمارسونه بعفوية، استطعت أن أرى اعتزازهم بقيمهم خلال شهور الحصار الثلاثة، حيث لم يرتفع سعر الرغيف ولا سواه قرشاً واحداً وبقي سعر الدولار تحت الأربع ليرات، وهذا أمر ليس بالهين ولا بالقليل، فهو لم يحدث بأمر من حزب أو جهة رسمية، بل هو تعبير عن قيم إنسانية جماعية، ولذلك كانت عملية الغدر، منذ منتصف الثمانينات، قد سُلطت على تلك القيم، على تفتيت إنسانية الإنسان من خلال تفكيك البنية الاقتصادية، فكان ذلك الانقلاب المدبر وراء الكواليس الذي أدى إلى انهيار سعر
الليرة اللبنانية غير المسبوق، حيث دُفع إلإنسان إلى غريزيته بحثاً عن لقمة العيش كي ينسى قيمه التي لا تعود مجدية ولا تملك أن تحمي نفسها بعد أن غُدر بالإنسان حاملها، ولذلك بدأت الهجرة التي خلخلت الوضع الاجتماعي لسعتها (بعد أسبوع سأجد نفسي في دبي التي سبقني إليها نصف أبناء جيلي) ص8، فقد دفع هذا الانهيار الاقتصادي إلى انفصال الإنسان عن مكانه وانفصاله عن الآخرين، إلى اشاعة نوع من ثقافة اللاانتماء التي بدأت تتسرب إلى المشاعر الجوانية (أضحك على نفسي واحتال عليها. أتحمس للسفر خلال لحظات قصيرة، لحظات أسعى إلى التقاطها
خلال يومي، حين يبدأ، ولا أستطيع. أدّعي أنني متحمسة. أدّعي أنني أريد أن أعيش في مكان لا أحس به، في مركبة فضائية مثلاً، في مكان لا أحس به وإن أحسَّ بي. بيروت صرت أشعر أنها لم تكن تحسّ بي منذ وجدت فيها، إلا أنني اكتشفت هذه الحقيقة أخيراً ) ص13 ، هذه ليست حقيقة طبعاً لكنها الأوهام المريرة التي ترافق انهيار المفاهيم والروابط الجماعية. ثم تُكمل الراوية (صرت أختنق. كلهم سافروا. كل الذين كان يومي يزدحم بهم سافروا .. صرت أحسّ بأنني أختنق في الطريق بين شارع الاستقلال وشارع الحمراء، أو بين شارع فردان وشارع الاستقلال، أو في زحمة السير في شارع مار الياس وصولاً إلى شارع الاستقلال، وبعدما كنت أحب الناس وأقول دوماً إنني أموت إن أادخلت سجناً، صرت أسجن نفسي في غرفتي..) ص 13، وسيتواصل هذا الصراع مع الذات والمكان وسط اضطراب عام (لكن هل ألوم هواء بيروت أيضاً على غياب اللون عن وجهي وعلى الهالات السود حول عينيَّ ؟ لا أستطيع في بيروت ألاّ أبالي بلون وجهي وبالهالات السود حول عينيَّ. وفي هذا المستوى من العلاقة بيني وبين جسمي تنفجر فيَّ عُقد وتناقضات. هنا يبدأ الإحساس بالحرية، الذي لم أجده بعد، يختنق. وتبدأ فكرتي عن هذا الاحساس تختنق. يختنق الإحساس نفسه قبل أن أجده. بالرغم من أنني في مواقف عدة، مواقف أعيشها كل يوم، أحس
بأنني وجدته، أحسّ بأنني حرة، لكنني أفقده سريعاً. في الحقيقة لم أكن يوماً حرة ..) ص15، هذا الاضطراب في المفاهيم والمشاعر ليس فردياً، ولا يحدث اعتباطاً، لأن الأحساس بأزمة القيم لا تحدث إلا عند مجتمع يمتلك القيم وله تاريخ في وجدانه ووجوده، إذ يحسّ الاضطراب في كل لحظة يشعر بها بتهديد قيمه، أي تهديد معنى وجوده، فلا يمكن التعايش مع الاضطراب وانعدام المفاهيم لفترة طويلة، لأن هذا ضد منطق الطبيعة الإنسانية. إنه اضطراب يتواصل لأنه يضرب الأعماق (أردنا أن ننسى سريعاً ونسينا سريعاً. لكننا كنا نحس دوماً بأن ثمة خطأ ما وأن ثمة ما لا
نفهمه جيداً، وأن ثمة وحشا يستيقظ حين ننام ويغيرنا) ص 39، إن (الأسبوع الأخير) رواية عن الماضي الذي لا يمضي، ولا يمكن الهروب منه إلى بلد آخر، عن الجروح الخفية والمعلنة لأجيال أغرقها الاضطراب وظلت تصارع دوامته.



عَن صحيفة (الشرق الأوسط)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق